عبد العزيز كعكي
69
معالم المدينة المنورة بين العمارة والتاريخ
بذلك السبب [ أكثر ] المدن وأكثر الحصون ، كذلك كانوا أيام العجم وأيام الجاهلية وعلى ذلك هم في أيام الإسلام ، كما هدم عثمان صومعة « عمران » وكما هدم الآطام التي كانت بالمدينة ) « 1 » . لكن ما أشار إليه الجاحظ إلى أن كون الآطام خربت في المدينة بسبب أن من شأن الملوك أن يطمسوا على آثار من قبلهم وعلى هذا قام سيدنا عثمان بن عفان رضى اللّه عنه بهدم آطام المدينة غير الصحيح ، ولا أظن أن هذا سببا حقيقيا وراء هدم سيدنا عثمان لهذه الآطام ، وخاصة أنه رضى اللّه عنه من كبار الصحابة ، وثالث الخلفاء الراشدين ، ولهم في رسول الله أسوة حسنة ، فقد علموا أن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم نهى عن هدم الآطام وقال : إنها من زينة المدينة ، فعن ابن عمر رضى اللّه عنه قال : « نهى رسول الله صلى اللّه عليه وسلم عن آطام المدينة أن تهدم » . وفي رواية قال صلى اللّه عليه وسلم : « لا تهدموا الآطام فإنها زينة المدينة » « 2 » ولم تكن آطام المدينة كلها لليهود فحسب بل كان هناك كثير منها للمسلمين . فيما نجد بعضا من المؤرخين قد عزا خراب آطام يثرب إلى عهد الخليفة عثمان بن عفان رضى اللّه عنه ولم يسندوا خرابها للخليفة بذاته كما حددوا موجبا لخرابها في ذلك العهد وهو أن العرب كانت تختبئ بداخلها عند الطلب . قال أبو الحسن المسعودي في كتابه التنبيه والإشراف : ( وكانت الأوس والخزرج تتمنع بها ، فأخربت في أيام عثمان بن عفان ورسومها باقية إلى وقتنا هذا ) « 3 » . كما أشار إلى هذا أيضا الدكتور محمد الخطراوي الذي قال : ( ولم تهدم هذه الآطام وتخرب إلا في عهد الخليفة عثمان بن عفان رضى اللّه عنه ، عندما وجد بعض الناس يستخدمونها للتخفي والامتناع عن الطلب ولا تزال بعض رسومها باقية إلى اليوم ) « 4 » . ثم ظلت البقية الباقية من تلك الآطام والحصون مهملة بين جنبات المزارع والبساتين حتى دب فيها الخراب الكامل من اعتداء الأعراب وأصحاب المزارع الذين أخذوا الكثير من أخشاب أسقفها ، واستعانوا ببعض أحجارها فبنوا بها أسوار مزارعهم ، وغير ذلك من الاستخدامات الكثيرة التي أدت إلى انهيار الهياكل الأساسية لتلك الحصون والآطام ، وأصبحت فيما بعد أكواما من الحجارة تشبه التلال الصغيرة أزيل معظمها في فتح الطرقات والشوارع ، ولم يبق منها سوى بعض أطلال بسيطة لأطم « الضحيان » بقباء ، وبعض المعالم لحصن
--> ( 1 ) « كتاب الحيوان » - الجاحظ - ج 1 ص 73 . ( 2 ) سبقه تخريج هذين الحديثين . ( 3 ) « التنبيه والإشراف » - المسعودي - ص 206 . ( 4 ) « شعر الحرب في الجاهلية عند الأوس والخزرج » - د . محمد الخطراوي - ص 53 .